أخبار

انحسار عمل المداجن في شمال سوريا وارتفاع التكاليف يعيق استمراره

لطالما كان الناس على اختلاف مللهم وأعراقهم يحبون أكل اللحوم فهو مكوّن أساسي في الطعام ويميل الكثير من الأشخاص لتناول الدجاج “الفروج”، فهو من الأطعمة اللذيذة والشعبية وتدخل في تكوين العديد من الطبخات ويستطيع أن يأكلها الغني والفقير، كما أن النص القرآني الكريم أشار إلى ذلك بقوله تعالى “ولحم طير مما يشتهون” وهذا خير دليل على أن لحوم الطيور من أطيب أنواع اللحوم وأشهاها ويعتبر الشعب السوري من أكثر الشعوب إنتاجا واستهلاكا للدجاج بأنواعه، فكيف يتم تربية الدجاج والعناية به في المناطق المحررة في  الشمال السوري؟ 

تربية الدجاج المنزلي 

لقد حرص آباؤنا وأجدادنا من أبناء الريف على تربية الدجاج البلدي في المنزل إضافة إلى الكثير من أنواع الحيوانات الأخرى كنوع من الاكتفاء الذاتي، فلم يكد يخلو منزل ريفي من عدد من الدجاج لسد حاجة المنزل من لحم الدجاج والبيض البلدي، ونظرا لتسارع عجلة الزمن والانتقال إلى الحياة الأكثر مدنية؛ انحسر هذا الأمر حسب ما يروي لنا “الحاج أحمد”: “في الماضي كنا نربي الدجاج في منازلنا لنكفي حاجتنا من البيض واللحم فقد كنت أجمع البيض وأبيع الفائض منه ونذبح الديوك حسب حاجتنا”

ويضيف: “أما عن التفريخ فقد كنا نعتمد على الدجاجات التي تظهر عليها نزوة الأمومة، ولمعرفة ذلك تظهر على الدجاجة حالة نفش الريش والتوقف عن البيض والجلوس.. غالبا هنا نطلق عليها “قفة” أو “قرقة” فإذا ظهرت هذه الأعراض على الدجاجة نضع لها عددا من البيض لتجلس عليه لمدة “21” يوما حتى يفقس بذلك نحافظ على دورة حياة الدجاج الذي نملكه، لكن في السنوات العشرين الماضية انحسرت تربية الدجاج البلدي في المنازل وذلك بسبب انتشار المداجن وانخفاض ثمن الفروج والبيض”.

مداجن الفروج وأنواعها 

وأوضح “الحاج أحمد” خلال حديثي معه أن انتشار المداجن بدأ يتوسع بشكل كبير منذ 20 عاما، وبيّن أن تلك المداجن تنقسم إلى نوعين؛ الأول هي المداجن التي تنتج لحم الدجاج، والنوع الثاني هي المداجن التي تنتج “الفروج البياض” بغرض بيع البيض حيث يقوم المربي بتجهيز البناء والذي تختلف أحجامه حسب السعة أي حسب عدد الطيور المراد تربيتها فيه بمعدل 5 طيور لكل متر مربع واحد، ويحتاج الدجاج البياض أقل من ذلك، وبذلك تختلف السعة الاجمالية من مدجنة لأخرى التي تبدأ من 1000 طيرا فصاعدا، ثم يقوم المربي كما قال لنا “الحاج أحمد” بتجهيز المعدات من الماء والعلف والإنارة ووسائل التدفئة، ثم يؤتى بـ “الصوص” بعد تجهيز ما سلف ذكره، ولا يختلف النوع الثاني من المداجن عن الأول حيث أن الهدف منه “الدجاج البياض” و “بيع البيض”.

المهندس الزراعي عبد القادر يبيّن لنا جوانب أخرى ويحدثنا عن أسباب انتشار المداجن بكثرة، فيقول: “يعود السبب في ذلك إلى انتشار المكاتب التي تدعم مربي الفروج، وهذه المكاتب ربحية بامتياز حيث تقوم على دعم المربي بكل ما يحتاجه من توفير الصيصان، والعلف، والرعاية الطبية، ولا يدفع صاحب المدجنة شيئا حتى يبيع “القود” أو دفعة الفروج التي تحتاج بين 45 الى 55 يوما لتصبح جاهزة للبيع ثم يقوم صاحب المكتب بشراء “القود” كاملا من المربي تاركا له ربحه المتعارف عليه، ولا يختلف الدجاج البيّاض عن دجاج اللحم إلا في الفترة الزمنية التي يحتفظ فيها المربي للدجاج”.

 

 

الصعوبات تواجه تربية الدجاج في الشمال المحرر  

حسب رأي المهندس عبد القادر أن بعد قيام الثورة وانعدام الكثير من وسائل الحياة في ريف إدلب بدأت تنخفض تربية الفروج الذي يحتاج إلى كهرباء للإنارة والتدفئة، وقد اعتمد الناس على مادة المازوت لتشغيل مولدات الكهرباء رغم التكلفة الباهظة، ثم ارتفع سعر المازوت وانقطع  تقريبا بين عامي 2014 و 2015 الأمر الذي أثر كثيرا على أعداد المداجن العاملة، فلم يعد مربو الدجاج يربحون نظرا لارتفاع التكاليف.

ويذكر المهندس الحل الذي لجأ إليه أصحاب المهنة وذلك بالاستعاضة عن المولدات بألواح الطاقة الشمسية التي وفرت الكهرباء للمداجن وبدون أي تكاليف مادية، كما التدفئة أبدلوا المحروقات بالفحم من بقايا الحراقات وهو رخيص التكلفة قياسا بمادة المازوت الباهظة الثمن، وبذلك عادت تربية الدجاج لتزدهر بين عامي 2016  ومنتصف 2019 م.

 

ثم تنهد المهندس عبد القادر وتابع حديثه قائلا: “منذ أن بدأ قصف القوات الروسية على إدلب وريفها، لم تسلم المداجن من القصف بشكل مباشر التي تبلغ عددها ما يقارب 55 مدجنة، كما خرجت باقي المداجن عن الخدمة بشكل غير مباشر بسبب نزوح الناس إلى الريف الشمالي لمحافظة ادلب واعتماد الكثير من النازحين على مداجن المناطق الشمالية للسكن بعد موجة النزوح الأخيرة.

ويوضح عبد القادر بأن كل تلك الأمور أدت إلى إنخفاض عدد المداجن التي ما زالت تعمل بشكل طبيعي الأمر الذي انعكس سلبا على أسعار مادة الفروج والبيض، ويضرب مثلا على ذلك: “قبل الثورة كان سعر كيلو الفروج حوالي دولار واحد، لكن بعدها ومع الصعوبات التي مرّت على المربين بدأت الأسعار ترتفع بشكل تدريجي حتى وصل سعر الكيلو إلى 2 دولار تقريبا، وأي عائلة متوسطة العدد تحتاج إلى 3 كيلو بالحد الأدنى، الأمر الذي اضطر الناس إلى إلغائه من قائمة غذائهم وهو الذي يعد أرخص أنواع اللحوم”.

وما حدث للسيد “أبو الطاهر” خير دليل على ما واجه مربي الدجاج من صعوبات، فقد كلف تجهيز مدجنته حوالي 7500 دولار ثمنا للصوص والعلف والفحم والنشارة وغير ذلك، لكن بسبب كثافة القصف اضطر إلى إطفاء الإنارة ليلا حتى لا يقصفه طيران الاستطلاع الكثيف مما اضطره إلى ترك المدجنة لفترات طويلة  أدى إلى موت الصيصان.

أما الأمر الاخر الذي ساهم في خسارة أبي الطاهر، هو محاسبة التجار بالليرة السورية بينما اشتراها بالدولار فأحدث فارقا كبيرا بين سعر الشراء والمبيع. 

يقول “أبو الطاهر”: “كل تلك الامور جعلت تربية الدجاج تنحسر بشكل كبير جدا في إدلب وأريافها وفتح المجال لاستيراد الدجاج من مناطق ريف حلب الشمالي وبقيت الأسعار مرتفعة جدا بسبب تكاليف النقل ورسوم المعابر وكأنها تكاليف نقل من دولة إلى أخرى!!”.

وبحسب تقرير الفاو الذي صدر عام  2016 ، فإن الدواجن في سوريا شكلت انخفاضًا شديدًا وصلت نسبته إلى 60% بعد أن كانت سوريا مصدر البروتين الحيواني الأقل سعرًا في البلاد.

إناس سرحان

 

 

التعليقات: 0

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها ب *