أخبار

كاس حقوق الإنسان

 

“يا خيي ما حدا بروح غير بيومو، هدول الدكاترة بزودوها، يلا بخاطرك”

بتلك الكلمات أنهى حديثه حين رأيته قبل قرابة الشهرين، وغادرني بابتسامة الحكيم الواثق بحكمته، ويديه السوداوين الخشنتين، التي اعتادت إمساك آلة الحفر دون ارتجاف، ليحفر لقمة عيشه بها، وكأن به يصرُّ على إثبات صموده في وجه وطنٍ اعتاد الرمي بأبنائه في المجهول.

أبدأ بسكب الشاي لنشربه في وقت استراحته القصيرة، ليبدأ هو بسرد حكاياه المتنوعة عن حياة شاب من هذه البلاد عليه أن يمتهن المغامرة ليستمر.

“أحيان كنا نطلع ننبش بالليل منسهر ومنشعل نار ومنشوي، يعني منو منتسلى ومنو مندور ع شي بحشة بلكي نلاقي شي من نصيبنا، وأوقات بكون في ناس عم تنبش تابعة للأمن بس بتعرفهن دغري من طريقة تحركهن”

تلك الكلمات الخارجة عن القانون والمثيرة لريبة المهتمين بألا تضيع آثار البلاد وثرواتها، ليتخذوا حينها وضعية الواعظ حول أصول الكسب القانوني وضرورة التعلم أو امتلاك مهنة محترمة تكسب رزقك عبرها. لكن ذلك الحديث معه يغدو فوق قيم الخير والشر والقانون، تستمع له وكأنك أمام إعادة تعريفٍ للحياة وأصولها، ليُذكِّرني بحادثة حصلت معي منذ سنين حين عدتُ من العمل في لبنان على عجل دون أن أتقاضى أجري جراء اندلاع حرب تموز عام 2006، حيث قام صاحب المحل الذي عملت فيه بإرسال المبلغ لي مع صديق من مدينتي، وبعد مرور شهر اكتشفنا أنه صرف المبلغ، ليعاود صاحب المحل إرسال المبلغ لي مع مهرِّب فأوصله لي ذلك المهرِّب خلال ثلاثة أيام ومع اعتذاره عن التأخير.

يُضيف في حديث آخر: “بقولوا المطعم الفلاني خدمتو منيحة وشغال منيح، طبعاً أني لا شفتو ولا بعرفو، بس في شب بعرفو بظلو يتفشخر ويحكيلي عن هالمطاعم كل ما شوفو، فبعرف أخبارهن منو”

لم أكن أجيد أمامه سوى الضحك أمام حديثه وعفوية انتقاده اللاذع، دون أية إضافة مني وكأني أدرك في قرارة أعماقي أن لا متسع من الوقت لحديثي الذي أعرفه، وليس لدي إضافة على كلامه وفهمه لقوانين الحياة ببساطة ابن الأرض.

“بعدك عم تطلع مظاهرات؟” سألني في المرة الأولى التي جاء بها إلى منزلنا. هو يسكن في حيِّنا ذاته دون أن نلتقي، فاجأني سؤاله وكيف عرف ذلك، ليشرح لي أنه في العام 2011 دخل عنصر من الأمن دكَّانه الذي كان يمتلكه سابقاً ليسأله عني فيُنكر معرفته بي، رغم إلحاح عنصر الأمن على تذكيره بي ووصفه لشكلي، لكنه أنكر أية معرفة لديه عني.

ليُضيف بعدها: ” ( يشتم بغضب ) من كل عقلن بدن نفسد ع بعض مشان هالعيشة اللي معيشينا ياها”

لم تكن شتائمه العاكسة للواقع الرديء إلا أن تكون ضرورة في هكذا واقع ومكمِّلة لمنظومة عيش متكاملة، تلك الشتائم التي قد تتهمه فيها النسويات بالذكورية الشاذة التي تستخدم أعضاء الأنثى في الشتائم. أتخيل لو تحدثت إليه عن بعض أفكارهنَّ ونشاطاتهنَّ لشتمني قبل شتمهنَّ حتى لو كان حديثي انتقاداً لهنَّ، ولاضطررت للاعتذار عن فعلتي تلك، وكلِّي خجلاً من طرحي.

أتخيل لو تحدثت إليه عن بعض أفكار العمل المدني وشعاراتهم عن السلام واللاعنف وحقوق الإنسان، كيف سيخرج صوتي أمام خشونة معالمه التي حفرها عالم حقوق الإنسان ذاته. العالم الذي لا زال يسرق بلاده ويصرُّ على استمرار خرابها وتجاهل جرائم سلطتها، تلك السلطة التي قال لي أنه لم يخرج يوماً في مسيرة مؤيدة لها في وظيفته إلا وطلب منه المدير العودة إلى المنزل لما يثيره من بلبلة خلالها، حيث يقول: “يعني بدن نرقص لناس عم تسرقنا”.

أن تعيش في الداخل يعني أن تعايش وجود مثل هذا الشاب الأربعيني بكدحه وعرقه وسواد بشرته من العمل تحت أشعة الشمس وملاحقته لعدة أعمال في آن واحد ليأتي بلقمة لأسرته، إلى جانب من يرسم على الجدران شعارات بعيدة كل البعد عنه، لكنها ليست شعارات البعث هذه المرة بأيدي طلائعه كما اعتدنا، بل شعارات العالم الحر بأيدي نشطائه، أولئك الذين سيسألونه فيما لو انتقدهم: نحن نقدم شيئاً للبلاد، وأنت ماذا تقدم؟!

أن تعيش في الداخل يعني أن ترى رفاقك الذين غادروا البلاد بحماسهم الثوري، لا مانع لدى بعضهم من تدمير البلاد فوق رأسك ليعودوا إليه منتصرين. يتحدثون عن العالم الحر والمتحضر، وكيف ينتحر أحدهم لخجله من تجاوز بسيط للقانون، مقابل التخلف المستشري في العالم الثالث، ولا يملون في إقناعنا بأننا شعب متخلف لا تليق بنا الحياة. نحن العالة على المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان، الذين حاروا كيف يدخلون لنا الديموقراطية، لكن عبثاً محاولاتهم أمام تعنتنا. فما جاؤوا لغزو العراق إلا نصرةً لأهل الرافدين. فأسقطوا ديكتاتورها ولم يعجبنا ذلك، ديكتاتور العراق الذي لا يشبه قادتهم الطيبين الذين يصافحون شعوبهم بكل تواضع، لا لشيء سوى لكونهم إنسانيين هكذا و يا سبحان الله. نعم ربما هم إنسانيون لكن نحن سيؤون لا نحب الناجحين.

لكنك ستجد ممن غادرنا من لا زال على احترام موقفه وموقعه، لترى في تعاطفه الصدق، وفي ندائه حماسة العاجز، قد يقول قائل ولما استثنيت السابقين من ذلك الصدق، لا يا صديقي لم نفقد فطرتنا بالتمييز بين الصدق والاستعراض بعد، ما زلنا نشبه بشيء عامل آلة الحفر ذلك، وما زال صوت آلته العنيدة مثله يصدي في البلاد وسيبقى، رغم توقفها، حيث أخبرني أخي لاحقاً:

“عرفت توفى وسام”

نعم هكذا وبكل سذاجة وسكون هذه الأرض توفى، وباحتشاءٍ قلبيٍّ عاوده للمرة الثانية خلال شهر مصراً على قهره مثل إصراره على قهر الحياة، وكأن الموت يأخذ من فَهِم الحياة ولا حاجة لديه بالعيش أكثر.

لا شهرة لديه ليتحدث أحد عنه، ولا صورة جميلة الشكل ليتغزلوا بشبابه، فجماله كان بقساوته، باتساق ثبات يديه، بانحناء تجاعيد وجهه، بنعومة امتشاقه لآلة الحفر الصغيرة، بانسيابية رحيله وصدمته.

جميلاً بفطرته المناهضة لصياغة حقوق الإنسان القائمة على أن ينهب الإنسان الآخر وفق القانون ويحرمه من العيش وفق القانون، متفنناً في صوغ حقوق النهب الحصرية ليحكم بها الآخرين.

جميلاً بابتسامته الساخرة من ذلك القدر الذي وضعه في صفوف المنهوبين المتهمين بالتمرد على نصاعة حضارة القانون والحقوق. تلك الابتسامة التي أتخيله لا زال عليها بعد مماته، وكأنه يشرب كأساً ويضحك ويضحك بأعلى صوته ساخراً:

“كاس حقوق الإنسان”.

خالد الخطيب

التعليقات: 0

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها ب *