أخبار

حكاية رؤى وغيرها من الفتيات السوريات

سألت صديقتي عن أختها التي نزحت من حي الأشرفية بحلب إلى مدينة اعزاز في ريفها مع أولادها وزوجها المريض ، فقالت لي: لقد زوجت ابنتها “رؤى” ، التي عمرها أربعة عشر عاماً ، لم أصدق ما قالته ، وسألتها لماذا تفعل ذلك ؟ إن هذه جريمة . قالت لي إن الوضع المعيشي بائس للغاية ولا قدرة للأم على تدريسها ، فوافقت على تزويجها لابن عمها الذي يعيش في تركيا.

وأرسلت لي صور الفتاة مازالت طفلة وملامحها لا توحي بالانوثة . بعد أقل من شهرين سألتها عن رؤى ، فقالت لي أنها عند أمها ، فزوجها كان يضربها يومياً ضرباً مبرحاً ، فهربت منه وعادت لحضن أمها وهي حامل …! أعرف رؤى عندما كانت طفلة صغيرة بارعة الجمال وذكية في مدرستها وتعزف الموسيقا ، أما الأن فهي طوال الوقت مذعورة ، ملاصقة لأمها ، لاتنام إلا قليلاً، ولا تغادر منزلها أبداً . كيف ستنجب هذه الطفلة طفل صغير مثلها ومن سيتحمل مسؤوليته ومسؤوليتها .؟

هذه القصة الكارثية ليست فريدة وكانت قبل خمس سنوات تحدث ، ولكن ليس كما الأن ، ففي المخيمات وخارجها من أماكن نزوح السوريين ، هناك جيل من الفتيات اللواتي خسرن مستقبلهن لا دراسة ولا مكان آمن .

لقد شُردت الأهالي وأُقيمت مخيمات لهم في الدول المجاورة في الوقت الذي كانت فيه المعارضة السياسية غائبة عنهم ، متروك مصيرهم للمجهول ،رغم أن الكثير من الأموال صُرفت لتوزيعها على اللاجئين , وأقيمت العديد من المنظمات المدنية ، التي تعنى بهم .

والسؤال أين تلك المنظمات التي نشطت خلال الخمس سنوات الماضية ، وماذا عن عشرات الدورات التي تقام في فنادق تركيا وبيروت والاردن، والتي يعتاش من خلالها عدد من الناشطيين ( السلميين ) دون أي انعكاس عملي على أرض الواقع . إن الوضع الكارثي للفتيات , لا يأبه به أحد ، وأصبحن مجرد مادة إعلامية ، وقضية قد تأتي بالتمويل الفوري لإقامة منظمات بإسمهن ، دون أن يُلحظ أي شيء عملي على أرض الواقع . حيث أن نسبة الفتيات المطلقات وهن بين ال ١٤ وال ٢٥مع أولادهن في ازدياد دائم . كما أن نسبة كبيرة منهن يقمن بالاجهاض في ظروف غير آمنة صحياً ، وهذا له انعكاسات لاحقة على صحتهن.

وأيضاً لا يمكن إغفال سبب مهم من أسباب تزويج الفتيات القاصرات غير الفقر والحاجة وهو البيئة و ثقافة الجهل التي تربت على أن زواج الفتاة سترة ، وأنه لا مانع من زواج الفتيات صغيرات طالما رسول الله “ص” قد تزوج السيدة عائشة وعمرها تسع سنوات فقط . فأصبحت الفتيات السوريات عرضة لإستثمار القادر مادياً من دول الخليج وغيرهم من الدول العربية ، ممن يشترط فتاة صغيرة ” بكر” يتزوجها للمتعة لأيام ويتركها ، تواجه مصيراً مجهولاُ. إن عودة السوريين لبيوتهم قد تساعد ولو جزئياً في التخفيف عن تلك الكوارث اليومية ، وتأمين بيئة مناسبة ولكن ذلك كله تمنيات ، فالوضع غير مستقر ومرشح للإزدياد إذا لم يتم تسوية الحرب السورية التي تستنزف الجميع . ومما لاشك فيه أن أحداً لن يفعل شيئاً ،ويعد كل ما نكتبه ترفاً زائداً لا معنى له .

*خولة غازي … كاتبة سورية 

التعليقات: 0

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها ب *